لم تعط الولايات المتحدة الأهمية الاستراتيجية للمنطقة العربية الا بعد ان شاركت هي في الحرب العالمية الأولى، ثم تبلور لديها موقف جديد خلال الحرب العالمية الثانية 1939- 1945، بالرغم من عزلتها تنفيذاً لمبدأ مونرو، وقد انحصرت العلاقات الامريكية مع دول المنطقة في ارسال البعثات الاكتشافية والقيام ببعض المساهمات الانسانية، غير ان الحدث الاكبر الذي ترك آثاراً عميقة في الأوضاع السياسية والاستراتيجية في العلاقات العربية مع الغرب والولايات المتحدة على وجه التحديد هو الاعتراف الأمريكي بقيام دولة اسرائيل في فلسطين مايو عام 1948 في عهد الرئيس ترومان.
ونتيجة لذلك فقد حظيت المنطقة العربية بأهمية كبيرة لدى صانع القرار السياسي الامريكي اثناء مرحلة الحرب الباردة اذ تبلورت فيها مجموعة مصالح، منها: احتواء النفوذ السوفيتي في المنطقة، واستمرار تدفق النفط العربي بأسعار معقولة وتفضيلية، ودعم المواقف السياسية الاسرائيلية، والحفاظ على الاسواق التجارية في المنطقة.
وبعد انتهاء الحرب الباردة وما ساد العلاقات الدولية من ظروف ومداخلات دولية وتفكك الاتحاد السوفيتي، ظهر مصطلح النظام العالمي الجديد، فأصبحت الولايات المتحدة الامريكية القوة العظمى الوحيدة في العالم، حيث لم يعد امامها منافس دولي او تحالفات معادية ذات شأن لذا استمرت في جهودها الداعية للسيطرة على المنطقة العربية عبر وسائل وادوات كان ابرزها: التدخل العسكري المباشر وفرض الحلول السلمية غير المتوازنة على الدول العربية المعنية بقضية الصراع العربي – الاسرائيلي، فضلاً عن تأثيرها غير المباشر في صياغة القرارات الصادرة عن مؤتمرات القمة العربية الإسلامية، وذلك بغية ايجاد قناعات لمصلحة توجهاتها الاستراتيجية في مجتمعات دول المنطقة، ونشر قيمها الليبرالية التي تستند الى الديمقراطية السياسية والتعددية الحزبية والبرلمانية ونشر الحرية، واحترام حقوق الانسان، واقتصاد السوق.
غير انها كانت تواجه تحديات كثيرة لسياستها في المنطقة العربية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وعلى جبهات متعددة داخل الولايات المتحدة الامريكية وخارجها، برزت فيها اجندة جديدة تمثلت في حصول توازنات جديدة أدت الى ظهور ايران كقوة اقليمية صاعدة في المنطقة، وبعض القوى الوطنية والمحلية الفاعلة كحزب الله اللبناني، وحركة المقاومة الإسلامية في فلسطين – حماس، وما تراه الولايات المتحدة الامريكية بوجود دور لهذه القوى في مشكلة الإرهاب وسعي ايران لامتلاك اسلحة دمار شامل، والتمرد العراقي المضاد للهيمنة الامريكية على المنطقة العربية، ثم الاحتلال الامريكي للعراق، وحدوث عدد من التداعيات جراء ذلك الاحتلال، كان من ابرزها المشكلة الكردية التي افرزت حصول تهديدات تركية لاقتحام شمال العراق بحجة ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني وغيرها.
لذلك أحست الولايات المتحدة ان الاعتماد على تنفيذ برنامجها الأمني والسياسي في المنطقة العربية والذي يشمل مجموعة من الاولويات الضرورية للارتباط الامريكي في المنطقة لم يعد كافياً في احداث التغيير المطلوب بالمنطقة، فهي لا ترغب في محاربة التهديدات التي تواجهها فقط، ولكن رغبتها تشمل ايضاً تغيير الديناميكيات الإقليمية التي تأتي بمثل هذه التهديدات، فكان عليها ان تتابع الركائز الاضافية في سياساتها المتعلقة في دول المنطقة العربية.



