يعد تاريخ العرب قبل الاسلام حلقة وصل بين التاريخين القديم والاسلامي، يشكل تاريخ اليمن جذر كبير من هذه الحقبة، لما تمتع به هذه البلاد. نتيجة لموقعها الجغرافي وازدهارها الحضاري، لاسيما وانها تقع على طرق التجارة العالمية التي تربط بلاد الهند والصين بشمال شبه جزيرة العرب، فولدت الحضارة منذ إن صحي الضمير في الفكر الإنساني، وقد سارت على سلم الترقي لتحقيق الهدف المنشود،من أجل تكامل الحياة والنهوض بها نحو الأكمل والأفضل والأمثل،وهل تكف نسمات الحرية عن الهبوب،وهل يتوقف دم القلب عن الدوران وهل يتوقف الفكر الوهاج عن العطاء، ولكي تبقى عجلة الحياة في حركة دائمة وتدفق مستمر للحضارة،كان لابد من بذل الجهد الذهني والعقلي على مر العصور، فالحضارة هي إتقان فن العيش الحر الكريم، فالحضارة كالكائن الحي تولد ناعمة الأظافر ثم يشتد ساعدها وتتدرج في الازدهار ومن ثم الإثمار، وما تاريخ أي أمة إلا تاريخ حضارتها وتطورها وتقدمها وليس تاريخ حروبها ومعاركها، فالحضارة وما يستتبعها من الإقامة الدائمة والاستقرار في الحضر الذي ينشأ من الزراعة، فالزراعة كانت تستلزم التعاون في العمل وتبادل الأفكار ليس في الزراعة وحسب ولكن في شتى مجالات العلوم والثقافة والعمران، وما إلى ذلك مما يتصل بتقدم الإنسانية وخاصة فيما يتصل في فنون اكتساب لقمة العيش وفي بناء المدن والنظام الداخلي والتعامل الخارجي.
فجاء كتابنا هذا من أجل إظهار مكانة شبه الجزيرة العربية من حيث الوظائف والالقاب التي شغلتها في ضوء المصادر الكتابية، وعلاقاتها مع الدولة السلوقية والبطلمية والرومانية، وإبراز وظائفها المهنية والحرفية باعتبارها عقدة لطرق المواصلات بين بلدان الشرق الأدنى القديم، لكونها محطة رئيسة في تجارة البخور القادمة من اليمن والقاصدة ميناء غزة.



