إن دراسة المدن ومنها العواصم تكمن في كونها نقطــــــة الدائرة إذ أن كل قرار أو أمر يتخـــذه ويصدره البلاط يخص البلاد والعباد يخرج منها وتكون هي قبل غيرها مهد هذه الإجراءات، ففيها تولد وبها تموت، فضلاً عن أنها واجهـــــة الدولــة بكل مفاصلها بحيث أن سقوطها هو سقوط الدولة، وبقائها هو بارقة أمل لاستعادة الدولة أنفاسها من جديد إذا تلبدت سماء الأحداث بغيوم الإنهيار.
أدت مدينة طيسفون دوراً على مسرح الأحداث إبان العهدين الفرثي والساساني، ولكنها برزت بشكلٍ أكبر في عهد الساسانيين لأنهم أنشط من أسلافهم الفرثيين الذين كانت لهم أكثر من عاصمة.
توزع إهتمام الفرثيين على ثلاثة عواصم بدل العاصمة الواحدة التي ركز عليها الساسانيون.
على الرغم من ذلك كله لم تنل العاصمة طيسفون حظها من البحث والدراسة إلا ببعض البحوث التي تناولت جزئية أو مقالات متفرقة لا تذكر إلا المشهور من أحوالها.
إن إختيار موضوع ((طيسفون، دراسة حضارية)) يستند على أنها محور نشاط الدولة الفارسية والتي يكتنف الغموض الكثير من تأريخها، فآليت على نفسي أن لا أغلو ولا أُماليء وأن أتناول جرعة اضافية من الإنصاف.
إن المؤرخين المُحدَثين من الغربيين أستقوا رواياتهم من مصادر أوربية لم يفصحوا عنها وربما قاموا بترجمتها بأنفسهم أو عن طريق مخطوطات نادرة أطلعوا عليها بأنفسهم فانفردوا بإيراد الروايات النادرة والمهمة، فضلاً عن الدراسات الآثارية وقراءة الخطوط القديمة، أما المؤرخين الفرس فأنهم إطمأنوا بأن ثوب الخرافة واسع ويسع الكثير، لذلك كان إدراج الروايات غير المألوفة والبعيدة عن المنطق معمولاً به من قبلهم في ما إذا كانت تضيف رونقاً ولمعاناً لتاريخ الفرس.



