لقد شهد العراق على امتداد تاريخه السياسي تحولات مجتمعية عدة، اقترن بعضها بطبيعة التوجهات الفكرية والايديولوجية التي رافقت الانظمة السياسية التي حكمت العراق، فيما جاء بعضها الآخر متزامناً مع المتغيرات العالمية التي فرضت نفسها بقوة على مسيرة الحياة الانسانية في عالمنا المعاصر، واستجابة لهذا الواقع تأثرت طبيعة الحياة في المجتمع العراقي بتغيرات ملموسة طالت مختلف المجالات الحياتية، وعلى الرغم من أن هذه التغيرات لم تكن على وتيرة واحدة، إلا أن تأثيراتها وأبعادها كانت طبيعية ومتوقعة الى حد ما، ولكن هذا الوصف يختلف بشكل أو بآخر مع حجم وطبيعة التحولات التي حدثت بعد انهيار النظام السياسي في العراق عام 2003.
وعلى ما يبدو ان التغيرات الجذرية التي حدثت في العراق بعد عام 2003 ارتبطت بدرجة كبيرة بتغير وظيفة المؤسسة السياسية، فهذه المؤسسة وعلى الرغم من كينونتها التكاملية مع المؤسسات الاخرى الا ان طبيعتها التسلطية (في العراق على أقل تقدير) افرزت نظاماً سياسياً تحكم بمسارات الفعل الاجتماعي والانساني في المجتمع العراقي، بل ان طبيعة البناء الاجتماعي في العراق تحت مختلف الاحوال والظروف تأثر كثيراً بقيم هذا النظام ومعاييره، ولهذا تحدد الفعل الاجتماعي أو الاداء المؤسساتي بتوجهات هذه النظام الساسيي واكراهاته، الامر الذي تمخض عنه واقعاً متمرداً في بعض الاحيان ومستسلماً في احيان أخرى، ولقد جاء انهيار النظام السياسي في العراق عام 2003 بمثابة الحدث الاكبر في مسيرة المجتمع العراقي، وربما التحول الابرز نحو فضاء الحرية الفردية والمجتمعية.



