لا تهدف هذه التأملات إلى إعادة كتابة تاريخ المنطقة، فالذين حاولوا ذلك لم يكونوا قلة على أي حال، وبخاصة تاريخ فلسطين، فمنهم من كتب تاريخاً قديماً ركّز فيه على الأحداث التاريخية التي أعقبت الاحتلال اليوناني للمنطقة أيام الاسكندر المكدوني ومن جاء بعده من خلفائه والدول التي عاشت على أمجاد عظمة هذا الفاتح العظيم، ومنهم من كتب عن نفوذ الرومان والبيزنطيين في المنطقة وعلاقاتهم مع سكانها، والدويلات العربية التي نشأت في ظل هؤلاء وفي ظل الدولة القوية الأخرى التي كانت تنافس الروم في النفوذ والاحتلال أيضاً، وهي الدولة الفارسية.. تجدر الإشارة إلى أنَّ الغرض من الكتاب ليس غرضاً سياسياً، ولا هو بقصد تجريح فئة من الفئات، ولكنه كتاب فكري يحاول أن يتَّجه إلى النص التوراتي مباشرة، للكشف عن دلالاته التي لا يمكن أن نستخلص منها دلالة تاريخية أو سياسية، فقد حكم اليهود أرض كنعان مدة قليلة قد لا تزيد عن سبعين سنة وفقاً لما تتبّعه التاريخ الحقيقي، ولكننا لو أردنا أن نتتبَّع التاريخ التوراتي الذي يمكن أن نصفه بأنه يشبه زمن الأحلام والكوابيس والزمن النفسي، في بعض أسفار التوراة، وبخاصة في سفري الملوك الأوّل والملوك الثاني، فإننا سنحتاج إلى أضعاف أضعاف هذه المدة المعلنة تاريخياً.



