دراسة أزمة الهوية تطلق من افتراض أساسي ألا وهو تغير نظرة العرب لذواتهم ولتاريخهم ولمرجعياتهم الفكرية بعد الاتصال بالغرب الحديث، والذي ترك لديهم شعوراً بالنقص أضحى معه تقييم الفكر مرهوناً بمدى مطابقته مع أصول الفكر الغربي الأوربي، ومن ثم الأمريكي “الوافد extragenous” أكثر من مطابقته مع الأصول الفكرية للمجتمع العربي والمتجسدة في التقاليد العربية لعصر ما قبل الإسلام والتقاليد الإسلامية التي طبعت الفكر العربي خلال حقبة امتدت منذ صدر الإسلام وحتى مطلع العصور الحديثة وأما الافتراض الثاني الذي تنطلق منه الدراسة فهو تفاقم أزمة الهوية خلال هذا العصر مع تصاعد وتأثر التأثير والهيمنة الفكرية والثقافية والمادية التي يمثلها الغرب، ومع فشل العرب في بلورة نموذج حضاري قادر على رد التحديات التي يمثلها الفكر الوافد، إذ مع هيمنة ثقافة عصور الانحطاط والركود الفكري على الساحة الثقافية العربية، ومع أتباع أساليب التصفية الجسدية للفكر المغاير، أو إشاعة نموذج أيدلوجي واحد لا يأتيه الباطل من بين يديه أو خلفه تبقى النماذج الديمقراطية في أوربا وأمريكا هي نقطة الإحالة لدى المفكر العربي المعاصر وستبقى لديه هي النموذج الوحيد الممكن للتقدم والتطور والوصول الى مدارج الحضارة- أي سيبقى الغرب هو الملاذ الوحيد لدى المفكر العربي لاستلهام نظرياته وأيدولوجياته السياسية وتطبيقها على الواقع العربي، بدلاً من محاولة إيجاد النموذج الحضاري والفكري الذي يستلهم واقع العرب وتاريخهم وتجاربهم الفكرية الخاصة، دون الانغلاق على الذات، وعدم الحوار الجدي والمستمر والمبني على الثقة بالنفس مع الحضارات الأخرى ومنها الحضارة العربية.
أما الافتراض الثالث الذي تعالجه الدراسة فهو معني بهيمنة الماضي على الحاضر في الفكر العربي المعاصر، ومن البديهي أن هذه الهيمنة من شأنها إعاقة العرب المعاصرين على إيجاد موقع قدم لهم في عالم يتغير بسرعة مذهلة من يوم لأخر، ويشير هذا العالم بأن الحاضر والمستقبل هما الحقيقتان الرئيسيتان في حياة الإنسان، وان الإنسان سوف يكون في وضع أفضل أذا أكتسب مزيداً من سيمات المستقبل بدلاً من الماضي، وإذا ما كان العرب يسترشدون بتاريخهم وهي حالة إيجابية- فهم بناة حضارة مثلت معيناً للتراث العالمي، ومساهمة في بناء الحضارة الإنسانية، ألا أن الوقوف بموقف سكوني تجاه هذا التأريخ واستلهام الجوانب السلبية منه او الجوانب الخلافية التي لا تفيد العرب المعاصرين في شيء، أمر يجعل العرب في مؤخرة الأمم التي استلهمت تأريخها وعيونها متطلعة إلى الأمام بدلاً من الخلف.



