لم يكن امتداد العرب المسلمون في المشرق مجرد عمليات عسكرية كان الغرض منها دعوة الناس الى السلام وحسب. بل أنها شكلت بحق وضع الحياة برمتها.
في تلك الأقاليم التي تمتلك من الحضارة والرقي ماتنافس به الدنيا في وقتها ووضعهاعلى جادة الصواب، بفعل الأثر الذي تركه ما ينطوي عليه الإسلام من انفتاح على الحياة للنهوض بها في كافة نواحيها.
وقد حصل إبان القرن الأول الهجري أن باءت تلك الجهود بالإخفاق أمام أصرار الأهالي على الصلح ودفع الجزية عن يد من دون إعتناق الإسلام، ناهيك عن الخرق والفتن الكثيرة التي كانت تحدث هنا وهناك رافضة ومهددة للوجود الإسلامي في البلاد ولكن كان لقادة الفتح وجنده المحملين بروح التسامح والمفعمين بالأيمان والرغبة الصادقة في البناء، الأثر الكبير في تحقيق نهضات أبتدأت بالإنسان لتنتهي به في عملية صيرورة جديدة، فما أن أطل القرن الثاني للهجرة حتى ظهرت بوادر النجاح الإسلامي فبدأ مواطنوا تلك الأقاليم يدخلون في دين الله أفواجاً بعد أختلاطهم بالعرب المسلمين وفهمهم الإسلام على حقيقته التحررية وشرعوا يدرسون مفاهيمه وطروحاته بعد أن سادت في مجتمعهم لغة القرآن الكريم، فكان لهذا بالغ الأثر فيما بعد لتحقيق قفزات نوعية في النظرية التي تحكم العلاقات بين الناس وتدير شؤونهم وفي تشجيع إبداعاتهم التي تجلت بأبهى صورها في نهضة فكرية أنجبت رواد الفكر باختصاصاته المختلفة.
ومن البديهي القول أن نهضة فكرية بمثل ما شهدتها تلك الأقاليم ما كان لها ان تكون دونما مستلزمات أثرت في كينونتها، وهو ما تؤشره كل المصادر في معرض تدوينها لفعاليات الحياة في تلك الأقاليم.
ومع القول بأن أغلب أقاليم المشرق الإسلامي قد تم تناولها بالدراسة والبحث إلا أن مدينة هراة ـ التي تعد واحدة من أقاليم المشرق والتي أنتقلت بالفتح الإسلامي إلى مصاف الأبداع في نواحي الحياة المختلفة ومنها النشاط الفكري الذي شهدته إبان الفتح العربي الإسلامي والالتحاق بالدولة العربية الإسلامية ـ لم تحظ بدراسة منفردة وافيه
وقد تناولنا ذلك في هذا الكتاب وافية يمكن من خلالها تتبع ورسم صورة للازدهار الفكري فيها بفضل الإسلام وقادته وروحه العربية التي جسدها الفاتحون.



