المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي هو الحديث النبوي الشريف، وقد اهتم المسلمون قديماً وحديثاً به، فألفت الكتب في جمعه، كل بحسب شرطه، وقد قيض الله تعالى له رجالاً يحفظونه وإن مما حبا الله الأُمَّة وخصها دون سائر الأُمم بخاصية الإسناد، وجعله من الدين، وقد أخبرت النصوص النبوية الثابتة عنه قبل أن يعرفه الناس، كان طلبة الحديث في بداية حركة التدوين يجلسون إلى الشيخ الذي يلقي عليهم من حافظته، ويبين لهم إضافة إلى السند والرواية بعض الاستدراكات والملاحظات والتصويبات مثل تبيان سنة موت فلان من الرواة، أو إدراك فلان الراوي لفلان وعدم إدراكه لفلان، أو روايته عن فلان مسندا وعن فلان منقطعا، إلى غير ذلك من الملاحظات والاستدراكات، مع سرد بعض القصص والتواريخ والأحداث، فيستفيدها طالب الحديث ويدونها في حاشية كتابه، أو تحت الحديث الذي يتم المناقشة فيه، فكانت هذه الملاحظات والاستدراكات والتصويبات بذرة لنشوء ما يسمى بالمسانيد المعلة.
ثم تطورت تلك البذرة لتصبح مشروعا أكثر استقلالية عن كتب المتون والرواية، فجمع البعض تلك الملاحظات والاستدراكات والتصويبات في كتاب أو كتب منفصلة عن متون الرواية وأسانيدها، فجمعت هذه الكتب كل ما يمكن جمعه عن الرواة من أخبار وقصص وأقوال، ابتداءً من اسمه وكنيته وتعدد الأقوال فيهما وفي سنة ولادته ووفاته وموطن سكناه ومحل إقامته وعمن روى ومن روى عنه وأخباره وقصصه مع حكام عصره وأقوال أقرانه فيه وتوثيق اللاحقين له، وانتهاء بذكر بعض رواياته وأخباره، وغير ذلك من المعلومات، ولعل أوضح مثال على هذا التطور هو كتاب طبقات ابن سعد وأشباهه من الكتب.
ثم تطور هذا النوع من المؤلفات لتظهر مؤلفات أخرى تقوم بحذف كثير من الأمور التي لا ربط لها بعملية تقييم الراوي ومروياته، ويقتصر فيها عرض الأحاديث التي تطرقت إليها العلل، ثم يتبع ذلك بيان حال الرواة، وجرحهم وتعديلهم، وقد كانت اغلب هذه الكتب عبارة عن سؤالات كان يوجهها احد تلاميذ الشيخ ويدونها الطالب ومن ثم تجمع في كتاب محدد،



